باريس خفضت استخدام السيارات وحسنت جودة الهواء عبر سياسات حضرية خلال العقد الماضي.
تضمنت الإجراءات إنشاء مسارات للدراجات، تحويل شوارع المدارس للمشاة، وحظر السيارات من ضفاف السين.
صُنفت باريس ضمن 19 مدينة عالمية حققت تخفيضات كبيرة في ملوثات الهواء السامة بين 2010 و2024.
واجهت السياسات ردود فعل متباينة، لكنها أدت إلى زيادة ملحوظة في نشاط ركوب الدراجات والمشاة.
تُعد تجربة باريس نموذجاً لمدن أخرى تسعى لتحسين البيئة الحضرية وجودة الهواء.

Atlas AI
تحول حضري في باريس
شهدت العاصمة الفرنسية باريس تحولاً ملحوظاً خلال العقد الماضي، حيث تبنت سياسات حضرية تهدف إلى تقليل الاعتماد على السيارات الخاصة. وقد تزامنت هذه التغييرات مع تحسن ملموس في جودة الهواء داخل المدينة. ويعزو المسؤولون والخبراء هذا التحول إلى مجموعة من الإجراءات التي أعادت توزيع المساحات الحضرية لصالح المشاة وراكبي الدراجات والحياة العامة.
باريس نموذج حضري رائد للنقل المستدام وتحسين جودة الهواء
يوفر التنفيذ الناجح لباريس للسياسات التي تقلل من الاعتماد على السيارات، وتزيد من البنية التحتية لركوب الدراجات، وتحسن جودة الهواء، دراسة حالة ملموسة للمدن العالمية الكبرى الأخرى التي تواجه تحديات بيئية وتخطيط حضري مماثلة. يمكن أن يؤثر نجاح المدينة الواضح في تقليل استخدام السيارات والتلوث على قرارات السياسة الحضرية والاستثمار في جميع أنحاء العالم.
ارتبطت هذه المبادرات بشكل وثيق بإدارة العمدة السابقة آن هيدالغو، التي قادت جهودًا مكثفة لإعادة تشكيل المشهد الحضري. تضمنت هذه الجهود إنشاء مئات الكيلومترات من مسارات الدراجات الجديدة في جميع أنحاء المدينة، مما شجع على استخدام وسائل النقل المستدامة.
إعادة تخصيص المساحات العامة
من أبرز ملامح هذا التحول تحويل 300 شارع حول المدارس إلى مناطق مخصصة للمشاة، مما حد من وصول المركبات وغير أنماط التنقل اليومية للعائلات والسكان. كما اتخذت المدينة خطوة جريئة بحظر السيارات من ضفاف نهر السين، محولةً هذا الممر الذي كان يعج بالمرور إلى مساحة ترفيهية للمشاة.
بالإضافة إلى تدابير النقل، غيرت باريس استخدام مناطق الرصيف ومواقف السيارات. تم تحويل العديد من مواقف السيارات إلى مساحات خضراء وتراسات للمقاهي، مما أدى إلى تحويل أجزاء من الشوارع من أماكن لتخزين المركبات إلى مساحات عامة حيوية. كما زرعت المدينة 155 ألف شجرة ضمن جهود أوسع لتحسين البيئة الحضرية.
تأثير السياسات على جودة الهواء
ارتبطت هذه السياسات بتحسينات قابلة للقياس في جودة الهواء. وقد صُنفت باريس ضمن 19 مدينة عالمية حققت تخفيضات كبيرة في ملوثين هوائيين سامين بين عامي 2010 و2024. وشملت الانخفاضات المبلغ عنها تلوث الجسيمات الدقيقة ومستويات ثاني أكسيد النيتروجين، وهي ملوثات ترتبط عادة بحركة المرور والأنشطة الحضرية الكثيفة.
على الرغم من هذه الإنجازات، واجهت التغييرات ردود فعل متباينة من الجمهور. فقد قوبلت بمقاومة من بعض سائقي السيارات، وتفاوتت آراء السكان مع إعادة توازن مساحات الطرق وتوافر مواقف السيارات. ومع ذلك، لاحظ المراقبون زيادة واضحة في نشاط ركوب الدراجات والمشاة، مما يعكس تحولاً في عادات النقل وكيفية استخدام السكان للمساحات العامة.
الدروس المستفادة والتحديات المستقبلية
أشار الخبراء إلى أن الحدود الإدارية الضيقة لباريس ساعدت في مركزية قرارات النقل، مما سهل تنسيق إعادة تصميم الشوارع والقيود داخل الولاية القضائية للمدينة. هذه الميزة الهيكلية جعلت نهج باريس مرجعاً للمراكز الحضرية الأخرى التي تدرس استراتيجيات بيئية وتخطيطية مماثلة.
تُظهر تجربة باريس كيف يمكن للتخطيط البلدي أن يغير عادات النقل واستخدام الفضاء العام، مع مواجهة تحديات سياسية. يمكن أن يؤثر إعادة تخصيص مساحات الشوارع لصالح ركوب الدراجات والمشي على الطلب على خدمات التنقل والاستثمار في البنية التحتية ذات الصلة، كما يمكن أن تشكل نتائج الهواء النظيف أولويات السياسة المحلية والتخطيط الصحي العام.
مع سعي مدن أخرى لتقليد هذا النموذج، يمكن أن يؤثر النهج الباريسي على المناقشات العالمية حول سياسات المناخ والنقل الحضري. ومع ذلك، فإن مدى قابلية نقل هذه السياسات يعتمد على الهياكل الإدارية المختلفة للمدن، مما يمثل تحدياً في تطبيقها على نطاقات أوسع.


